العيني
255
عمدة القاري
بأنه منسوخ ابن بطال . وقال بعضهم : محمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورة الفاعل أولى من ادعاء النسخ ، لأنه لا يثبت بالاحتمال . قلت : القائل بالنسخ ما ادعى أن النسخ بالاحتمال ، وإنما جزم به ، فكيف يدعى الأولوية بالاحتمال ؟ ويقوي دعوى النسخ ما روي عن عمر وعثمان أنهما كانا يفعلان ذلك ، على ما نذكره إن شاء ا تعالى ، ويقال : يحتمل أن يكون الشارع فعل ذلك لضرورة ، أو كان ذلك بغير محضر جماعة ، فجلوس رسول الله في الجامع كان على خلاف ذلك من التربع والاحتباء ، وجلسات الوقار والتواضع . وفيه : جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع ، وأنواع الاستراحة غير الانبطاح ، وهو الوقوع على الوجه ، فإن النبي قد نهى عنه ، وقال : إنها ضجعة يبغضها ا تعالى . وعنِ ابنِ شهِابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قال كانَ عُمَرُ وَعُثْمانُ يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ . قال الكرماني : يحتمل أن يكون هذا تعليقاً ، وأن يكون داخلاً تحت الإسناد السابق ، أي : عن مالك عن ابن شهاب ، وقال صاحب ( التوضيح ) : وعن ابن شهاب . . . إلى آخره ، ساقه البخاري بالسند الأول ، وقد صرح به أبو داود ، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في جمعه ، فقال : إن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك . وقد أخرج البرقاني هذا الفصل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري متصلاً بالحديث الأول ، ولم يذكر سعيد بن المسيب ، وسعيد لم يصح سماعه عن عمر رضي ا تعالى عنه ، وأدرك ثمان ولم يحفظ له عنه رواية عن رسول ا . وقال بعضهم : وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب . معطوف على الإسناد الأول ، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي ، وهو كذلك في ( الموطأ ) ، وغفل عن ذلك من زعم أنه معلق . قلت : يريد به الكرماني ، والكرماني ما جزم بأنه معلق ، بل قال : يحتمل ، وهو صحيح بحسب الظاهر وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أن هذا داخل في الإسناد المذكور ههنا قطعاً ، ورواية أبي داود هكذا : حدّثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يفعلان ذلك ، أي : المذكور من الاستلقاء والوضع . قلت : اختلف جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم في هذا الباب ، فذهب محمد بن سيرين ومجاهد وطاوس وإبراهيم النخعي إلى أنه يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى ، وروي ذلك عن ابن عباس وكعب بن عجرة ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : لا بأس بذلك ، وهم : الحسن البصري والشعبي وسعيد بن المسيب وأبو مجلز ومحمد بن الحنفية ، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد وعبد ا بن عمر وأبيه عمر بن الخطاب وعثمان وعبد ا بن مسعود وأنس بن مالك . وقال ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدّثنا وكيع عن عبد العزيز بن الماجشون عن الزهري عن سعيد بن المسيب : أن عمر وعثمان كانا يفعلانه ، حدّثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن يحيى بن عبد ا بن مالك عن أبيه قال : ( دخل على عمر ورأى مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) ، حدّثنا مروان بن معاوية عن سفيان بن الحسن عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن عبد ا بن عبد ا بن الحارث ( أنه رأى ابن عمر يضطجع فيضع إحدى رجليه على الأخرى ) ، حدّثنا وكيع عن أسامة عن نافع قال : ( كان ابن عمر يستلقي على قفاه ويضع إحدى رجليه على الأخرى ، لا يرى بذلك بأساً ، ويفعله بذلك وهو جالس لا يرى بذلك بأساً ) ، حدّثنا وكيع عن سفيان عن جابر بن عبد الرحمن بن الأسود عن عمه ، قال : ( رأيت ابن مسعود رضي ا تعالى عنه ، مستلقياً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى وهو يقول : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ) * ( يونس : 58 ) حدّثنا ابن مهدي عن سفيان عن عمران ، يعني : ابن مسلم ، قال : ( رأيت أنساً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) . 68 ( ( بابُ المَسْجِدِ يَكُونُ في الطرِيقِ منْ غَرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ ) ) أي : هذا باب في بيان جواز بناء المسجد يكون في طريق الناس ، لكن بشرط أن لا يكون فيه ضرر ، لهم ، ولما كان بناء المسجد على أنواع : نوع منه يجوز بالإجماع وهو أن يبنيه في ملكه ، ونوع منه لا يجوز بالإجماع وهو أن يبنيه في غير ملكه . ونوع يجوز ذلك بشرط أن لا يضر بأحد ، وذلك في المباحات . وقد شذ بعضهم منهم : ربيعة ، في منع ذلك . أراد البخاري بهذا الباب الرد على هؤلاء ، واحتج على ذلك بقصة أبي بكر رضي ا تعالى عنه ، وعلم بذلك النبي فلم ينكر عليه